صفحة 8

كالمعتاد انطلق الحمار الصّغير مع سيّده نحو الحقل فمرّا في الدُّروب الصّغيرة عبر أكواخ الفلاّحين أين دغدغت حاسّةَ شمّهما رائحةُ الخبز الشهيّةُ مُنْبعثةً من أفرانِ القرويّات يُعْدِدْنَهُ منذ الصّباح الباكر بكلّ حبٍّ رغم لهيب النّار الحارقة.

ثمّ كالمعتاد مرّا بعد ذلك عبر المرج الأخضر أين طربت حاسّةُ سمعهما بصوت ناي الرّاعي الشجيّ ومتّعا بصرهما برُؤية مرح الخرفان وهي تقفز وتتسابق هنا وهناك إلاّ أنّ الحمار وعلى غير العادة رأى هذا المشهد بعينٍ أخرى فما عاد يشعر بالحسرة على نفسه عند رُؤية لهو الخرفان، وعلى غير العادة سمع هذه الألحان بأذنٍ أخرى فما عاد يجدها موسيقى الفرح والسُّرور بل فَطِنَ إلى أنّها كانت دومًا ولا تزالُ ألحان نايٍ حزينةً شجيّة.

وصل الاثنان إلى الحقل فوضع الفلاّح المحراث على حماره وانطلقا في العمل يشقّان الأرض جِيئَةً وذهابًا وكلّما تقدّما كلّما فاحت رائحة الثّرى الزّكيّة ناشرةً معها عِطر السّعادة وأريج النّشوة وعبق النّشاط.

عمل الاثنان في كدٍّ إلى أن انتصفت الشّمس كبد السّماء. عندها قام الفلاّح بوضع المحراث على الأرض ونزع اللّجام عن حماره ثمّ استدار لِيُحضر له المِخلاة بما فيها من حبّات الشّعير فكانت هذه الفرصة الذّهبيّة التي كان ينتظرها الحمار منذ الصّباح فاستغلّها بسرعةٍ دون طولِ تفكيرٍ وبدأ في الرّكض دون أن يتردّد ولو لحظة.

الرّئيسيّة

الفهرس